محمد بن جرير الطبري

44

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ قال : الثناء الحسن . وقوله : سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ يقول : أمنة من الله لنوح في العالمين أن يذكره أحد بسوء ؛ وسلام مرفوع بعلى . وقد كان بعض أهل العربية من أهل الكوفة يقول : معناه : وتركنا عليه في الآخرين ، سَلامٌ عَلى نُوحٍ أي تركنا عليه هذه الكلمة ، كما تقول : قرأت من القرآن " الحمد لله رب العالمين " فتكون الجملة في معنى نصب ، وترفعها باللام ، كذلك سلام على نوح ترفعه بعلى ، وهو في تأويل نصب ، قال : ولو كان : تركنا عليه سلاما ، كان صوابا . وقوله : إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ يقول تعالى ذكره : إنا كما فعلنا بنوح مجازاة له على طاعتنا وصبره على أذى قومه في رضانا فأنجيناه وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ وأبقينا عليه ثناء في الآخرين كَذلِكَ نَجْزِي الذين يحسنون فيطيعوننا ، وينتهون إلى أمرنا ، ويصبرون على الأذى فينا . وقوله : إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ يقول : إن نوحا من عبادنا الذين آمنوا بنا ، فوحدونا ، وأخلصوا لنا العبادة ، وأفردونا بالألوهة . وقوله : ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ يقول تعالى ذكره : ثم أغرقنا حين نجينا نوحا وأهله من الكرب العظيم من بقي من قومه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ قال : أنجاه الله ومن معه في السفينة ، وأغرق بقية قومه . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ . . . لِأَبِيهِ يقول تعالى ذكره : وإن من أشياع نوح على منهاجه وملته والله لإبراهيم خليل الرحمن . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنا معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ يقول : من أهل دينه . حدثني ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد ، في قوله : وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ قال : على منهاج نوح وسنته . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ قال : على منهاجه وسنته . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ قال : على دينه وملته . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ قال : من أهل دينه . وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى ذلك : وإن من شيعة محمد لإبراهيم ، وقال : ذلك مثل قوله : وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ بمعنى : أنا حملنا ذرية من هم منه ، فجعلها ذرية لهم ، وقد سبقتهم . وقوله : إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يقول تعالى ذكره : إذ جاء إبراهيم ربه بقلب سليم من الشرك ، مخلص له التوحيد ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ والله من الشرك . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ قال : سليم من الشرك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد بِقَلْبٍ سَلِيمٍ قال : لا شك فيه . وقال آخرون في ذلك بما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عثام بن علي ، قال : ثنا هشام ، عن أبيه أبو هشام ، قال : يا بني لا تكونوا لعانين ، ألم تروا إلى إبراهيم لم يلعن شيئا قط ، فقال الله : إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وقوله : إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ يقول حين قال : يعني إبراهيم لأبيه وقومه : أي شيء تعبدون . وقوله :